صديق الحسيني القنوجي البخاري

499

فتح البيان في مقاصد القرآن

الصنع فلينظر في كتاب العبر والاعتبار للجاحظ ، وفي الكتاب الذي عقده النيسابوري على قوله : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] وهو في مجلدين ضخمين . روي أن رجلا قال لامرأته إن لم تكوني أحسن من القمر فأنت طالق فأفتى بعض أهل العلم بأنها صارت مطلقة ، وقال الشافعي لم تطلق لأنها من جنس الإنسان ، واللّه تعالى يقول : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فلو كان القمر أحسن صورة من الإنسان لم يصفه اللّه سبحانه بأحسن تقويم ، ولنعم ما قيل : ما أنت مادحها يا من يشبهها * بالشمس والبدر لا بل أنت هاجيها من أين للشمس خال فوق وجنتها * ومضحك من نظام الدر في فيها من أين للبدر أجفان مكحلة * بالسحر والغنج تجري في حواشيها ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ أي رددناه إلى أرذل العمر ، قاله ابن عباس وهو الهرم والضعف بعد الشباب والقوة حتى يصير كالصبي فيخرف وينقص عقله ، كذا قال جماعة من المفسرين ، قال الواحدي : والسافلون هم الضعفاء والزمناء والأطفال ، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعا لأنه لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا لضعف بدنه وسمعه وبصره وعقله ، قاله الخازن . وقال مجاهد وأبو العالية والحسن : المعنى ثم رددنا الكافر إلى النار ، وذلك أن النار درجات بعضها أسفل من بعض فالكافر يرد إلى أسفل الدرجات السافلة ، ولا ينافي هذا قوله تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ النساء : 145 ] فلا مانع من كون الكفار والمنافقين مجتمعين في ذلك الدرك الأسفل . وقوله أَسْفَلَ سافِلِينَ إما حال من المفعول أي رددناه حال كونه أسفل سافلين أو صفة لمقدر محذوف أي مكانا أسفل سافلين . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ هذا الاستثناء منقطع على القول الأول أي لكن الذين آمنوا الخ ووجهه أن الهرم والرد إلى أرذل العمر يصاب به المؤمن كما يصاب به الكافر فلا يكون لاستثناء المؤمنين على وجه الاتصال معنى ، وعلى القول الثاني متصل من ضمير رددناه فإنه في معنى الجمع أي رددنا الإنسان أسفل السافلين من النار إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . وقال الشهاب الاستثناء منقطع لأنه لم يقصد إخراجهم من الحكم وهو مدار الاتصال والانقطاع كما صرح به في الأصول لا الخروج والدخول كما توهم ، فلا يرد عليه أنه كيف يكون منقطعا مع أنهم مردودون أيضا فهو للاستدراك لدفع ما يتوهم من أن التساوي في أرذل العمر يقتضي التساوي في غيره ، ويكون الَّذِينَ حينئذ مبتدأ والفاء داخلة في خبره لا للتفريع كما في الاتصال ، وقيل المعنى رددناه إلى الضلال